مقدّمة:
لقد مرّت على العالم عدة أوبئة كادت تجتاح البشرية جمعاء، فمن الطاعون أو ما سمّي بالموت الأسود إلى حمّى النازفة إلى أوبئة الكوليرا إلى الجدري إلى التيفوس إلى الأنفوانزا الاسبانية إلى الايذز إلى فيروس السارس إلى انفلوانزا الخنازير إلى فيروس إيبولا انتهاء بفيروس كورونا المستجد كوفيد 19، الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية أواخر سنة 2019 ، و هو يعتبر من الفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي لدى الثديات، و لقّب بهذا الاسم بسبب التنوعات الموجودة على سطحه و التي تشبه التاج، و قد ظهرت عدة أنواع من فيروسات الكورونا إلا أن فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 هو آخر هذه الأنواع، و لا شك أن هذه الفيروسات ظهرت في عصور مختلفة، و هي أوبئة خطيرة على الانسان تهدده في أسمى حق له ألا و هو الحق في الحياة، و لخطورة هذا الفيروس ومع إقرار منظمة الصحة العالمية بأنه فيروس خطير و قاتل أعلنت جل دول العالم الحظر الصحي كإجراء وقائي لتفادي تفشي هذا الوباء الخطير.
ويعد الاهتمام بالعقود من أهم ما سعى إلى تنظيمه المشرع في مختلف الدول، حيث أصبحت العقود أهم الوسائل لإحداث الالتزامات التعاقدية سواء بين الأفراد أو الدول لدرجة أن تطور هذا البنيان القانوني وانتقل من دائرة الالتزامات التعاقدية الوطنية إلى دائرة الالتزامات التعاقدية الدولية.
تأثير جائحة كورونا على الالتزامات التعاقدية الدولية
يعد فيروس كورونا من الفيروسات المعدية و التي فرضت على مجموعة من الدول القيام باجراءات جوهرية بغية الحد من انتشاره و التحكم فيه، مما نتج عنه إعلان حالة الطوارئ الصحية بالعديد من الدول وفي هذا الصدد اعتبرت منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا وباء عالمي بعد أن اجتاح كل الدول العالمية تقريبا وأصبحنا أمام حالة من الحظر الصحي والذي أثار مجموعة من الإشكالات القانونية و الاقتصادية.
فإذا كانت بعض الدول قد تدخلت في سن مجموعة من الإجراءات الداخلية فإنه على المستوى الدولي لم تجتمع كل دول العالم على نفس النهج إلا أن الاتفاق السائد هو اعتبار هذه الجائحة “قوة قاهرة”.
حيث إن العديد من الشركات العالمية و المتخصصة في مجالات متعددة كالطاقة و النقل و الشحن الدولي وصناعة السفن و الطائرات و المسائل التكنولوجية بالإضافة الى المواد البترولية الدفع بوجود حالة القوة القاهرة لأجل وقف التزاماتها التعاقدية بشكل مؤقت وإعادة التفاوض وفقا للظروف المستجدة لأجل تفادي غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في تنفيذ العقود الدولية.
المطلب الأول
تأثير فيروس كورونا على إثبات عقود التجارة الدولية
يؤدي اعتبار فيروس كورونا كقوة قاهرة، إلى إرهاق المدين، حينما يكون هذا الأخير في وضعية يستحيل معها تنفيذ التزامه العقدي، نتيجة تحقق شروط القوة القاهرة التي تؤدي إلى انفساخ العقد من تلقاء نفسه . وبالرجوع إلى الفصل 269 من ظهير الالتزامات والعقود، نجده ينص على أن: “القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية(الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا.
كذلك المشرع الإماراتي من خلال 287 من قانون المعاملات المدنية، نص على أنه إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كآفة سماوية أو حادث فجائي أو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المتضرر، كان غير ملزم بالضمان ما لم يكن يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك.
ومن جهة أخرى عرف القانون المدني الكويتي في المادة 215 القوة القاهرة “بانه كل حادث خارجي عن الشيء لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه مطلقاً فهو ما يحدث قضاء وقدر ليس ناتج عن خطأ او اهمال من جانب المتعاقدين”.
انطلاقا مما سبق سنتولى دراسة الوسائل القانونية و المادية لإثبات عنصر القوة القاهرة .
وهكذا لم يحدد المشرع المغربي على سبيل الحصر الظواهر التي تعتبر من قبيل القوة القاهرة بل أعطى مجموعة من الظواهر على سبيل المثال فقط ويتجلى هذا في الفصل 269 من ظهير الالتزامات والعقود، والتي تتمثل بالخصوص في الظواهر الطبيعية من فيضانات وجفاف وعواصف وحرائق وجراد، وفي غارات العدو- أي الحرب- وفي فعل السلطة، تشكل، وباعتراف من المشرع نفسه، صورا من حالات القوة القاهرة واردة على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر. و يبقى من حق المدين في حالات أخرى غيرها، أن يثبت وقائع جديدة تمثل بالنسبة إليه قوة قاهرة، وفي ظل ظاهرة جائحة كورونا فان أمر الاثبات يقع على عاتق المدعي الذي تعذر عليه تنفيذ التزامه.
وبالنظر إلى أن فيروس كورونا كوفيد 19 المستجد يعتبر واقعة مادية، فإن المدين المتمسك بها لا يحتاج عمليا إلى إثبات وقوعها، أو إثبات تاريخ تفشي هذا الوباء أمام محاكم الموضوع، إذ من المفروض أن تكون هذه الأخيرة على علم تام بحقيقة قيامها، لذلك فهي من حيث العلم بها ، تنزل منزلة النص القانوني الذي لا يعذر القاضي بجهله، على الرغم من أن الأمر يتعلق بواقعة مادية فقط. إلا أنها تنزل منزلة الوقائع المشهورة التي أثرت على سير مرفق القضاء ذاته، فكانت السبب في تعليق انعقاد الجلسات ، وإحداث نظام للمداومة بين موظفي كتابة الضبط، منعا للمخالطة والتجمع، و للحيلولة دون تفشي هذا الفيروس بين القضاة والموظفين، ومساعدي القضاء و المرتفقين على السواء .
ومن هذا المنطلق قد تثار مسألة التعاقدات السابقة عن إعلان حالة الحجر الصحي و منع التنقلات و التجمعات ففي الحالة التي يعجز فيها المتعاقد عن الوفاء بالتزاماته بفعل هذه الجائحة و أفعال السلطة من التوقيف الالزامي للمقاولات عن العمل فان المتعاقد المتضرر في هذه الحالة يجوز له الاحتجاج بالقوة القاهرة.
أما في الحالة التي يتعاقد فيها في ظل هذه الظروف المتعلقة بالحجر الصحي فانه لا مجال للاحتجاج بالقوة القاهرة في حالة العجز عن التنفيذ لأنه كان على دراية بالوقائع المحيطة مما يعني عدم استفادته من الاحتجاج بالقوة.
المطلب الثاني
تأثير جائحة كورونا على تنفيذ عقود التجارة الدولية
للحديث حول تأثير جائحة كورونا على العقود الدولية . هناك مستويين أساسيين الأول يتعلق بالعقود المبرمة عن بعد والتي تكون ذات بعد دولي وتتعلق بتوريد سلعة مادية أو القيام بعمل مادي محدد، و المستوى الثاني هو العقود المتعلقة بالمسائل التجارية الالكترونية ففي هذا الجانب نتحدث عن بعض العقود التي لا تتأثر في كثير من الأحيان بالظواهر الطبيعية و بمبدأ القوة القاهرة في تنفيذ العقود العادية.
الفقرة الأولى : تأثير جائحة كورونا على التنفيذ المادي للعقود الدولية
تعتبر جائحة فيروس كورونا ظاهرة بعثرة الأوراق في مجال المال و الاعمال بصفة عامة وفي اطار العقود الدولية بصفة خاصة حيث سيؤدي الامر الى العديد من الخلافات و الصراعات بين المتعاقدين خصوصا حينما أصدرت معظم دول العالم قرارات تهم بتوقيف خط الإنتاج ووقف المقاولات مما يعني عدم تنفيذ العقود في الوقت المحدد لها بالإضافة الى التوقف المؤقت للمقاولات و تسريح العمال واقفالها مؤقتا مما يعني عدم الوفاء بالالتزامات نتيجة قوة قاهرة بفعل الواقع وبفعل القانون( قرارات الدولة ) وهذا الامر قد يشكل اشكالا عميقا على المستوى الدولي وخصوصا ان اغلب العقود الدولية تتسم بطول مدتها ويعود ذلك اما الى اتفاق الأطراف و رغبتهم في تحقيق الاستقرار في معاملاتهم كما في عقود الامتياز وعقود التوريد ا والى طبيعة العقد و ضخامة الاعمال المطلوب القيام بها , كما في عقود نقل التكنولوجيا و عقود انشاء المصانع الجاهزة و الطرق الدولية
فالعقود الدولية والتي تعتبر الاداة القانونية الأكثر استعمالاً في مجال المعاملات المالية الدولية وادارة وتيسير التجارة الدولية العابرة للحدود وهذه العقود لا تختلف عن عقود التجارة الداخلية من حيث خضوعها لأحكام القوة القاهرة.
وطبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة والاجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقا لتنفيذ العقود وتقدير مدى اعتبار هذه الاجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الاجراءات التي اتخذتها الدولة وطبيعة الوباء وموضوع الالتزام ومدى تأثره بهذه الاجراءات فان توافرت شروط القوة القاهرة يعفى المدين من التزامه اما اذا لم تتوافر شروطها فان المسؤولية تكون قائمة قبل المدين فالأمر نسبي يرجع تقديره الى محكمة الموضوع وقدرة المدين على اثبات توافر شروط القوة القاهرة
حيث نصت اتفاقية الجات الدولية 1994 في المادة 7 على الأثر المعفى من المسؤولية ومنها وقوع كوارث طبيعية او توقف النقل او قوة قاهرة أخرى تؤثر بصورة كبيرة على المنتجات المتاحة للتصدير … وعالجت مبادئ العقد الدولي لتوحيد قواعد القانون الدولي الخاص حال وقوع القوة القاهرة في المادة 6 على أنه يحق للطرف المتضرر أن يطلب التفاوض من الطرف الآخر على تعديل بنود العقد فإن قبلها الأخير يستمر في التنفيذ العقد الدولي أما اذا فشلت عملية التفاوض فلا سبيل سوى فسخ العقد مع احتفاظ الطرف المتضرر بحقه في المطالبة بالتعويض وهذا ما أكدت عليه اتفاقيات دولية عديدة ومنها اتفاقية فيينا 1980 حيث قضت المادة 81 على أنه بفسخ القعد يصبح الطرفان في حل من الالتزامات التي يرتبها العقد مع عدم الاخلال بأي تعوض مستحق . ونصت المادة 79/1 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن العقود الدولية على حماية مماثلة توفرها أحكام القوة القاهرة وقد تنطبق على العقود الدولية إلا إذا تم استبعاد تطبيق الاتفاقية صراحة من قبل الاطراف في العقد.
وعمليا شرط عدم توقع الحدث هو أحد أهم شروط القوة القاهرة والعبرة في تحديد توقع الحدث من عدمه هو النظر الى تاريخ ابرام العقد واستقر القضاء الفرنسي على أن شرط عدم التوقع الذي يبرر فسخ العقد يجب ان يكون قد ورد في الاتفاق قبل ظهور الوباء.
والسؤال هنا ما هو التاريخ الواجب اتباعه في اعلان ظهور فيروس كورونا هل من تاريخ إعلانه بالصين أم تاريخ الاعلان بالبلد الذي توجد فيه الشركة التي تتمسك بالقوة القاهرة أم تاريخ اعلانه كوباء من منظمة الصحة العالمية؟ محكمة باريس سنة 1998 أصدرت حكم أكدت فيه على أن توقف الطائرة ببلد مجاور لمنطقة انتشر فيها وباء الطاعون لا يشكل خطر يفسر على انه قوة قاهرة.
الفقرة الثانية : تأثير جائحة كورونا على التجارة الالكترونية
يلجأ الجميع إلى الخدمات الإلكترونية والأدوات الجديدة التي تسمح لهم بالتكيف مع الظروف الاستثنائية السائدة حاليا بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد الذي ألزم نحو مليار شخص حول العالم البقاء في منازلهم، فضلا عن تسببه في انهيار البورصات ووضع الشركات الصعب، مما يترك أثرا اقتصاديا بالغ الشدة قد تأتي بعده تحولات كبرى في العالم سيكون المستفيد الأكبر منها -على ما يبدو- بعض شركات قطاع التكنولوجيا والإنترنت
حيث شهد العالم الرقمي انتعاشا منقطع النظير جراء لجوء العديد من الأشخاص الى التبضع و القيام بعمليات الشراء و الاستفادة من الخدمات عبر الانترنت لتعوض الشلل الحاصل في المعاملات التجارية على مستوى الواقع لذلك ظهرت مجموعة من المعاملات والتي لم تكن تحقق أرباحا كبرى وظهرت برامج أخرى عوضت الاجتماعات الفعلية و التجمعات إلى اجتماعات و تجمعات افتراضية.
أ/الإقبال على المتاجر الالكترونية
عرفت المتاجر الالكترونية اقبالا منقطع النظير خصوصا مع خدمة التوصيل المنزلي السريع مما يشكل إيذانا لتفعيل إجراءات الحجر الصحي بالإضافة الى جودة الخدمة حيث يقوم المستهلك باختيار البضاعة و اقتنائها ثم طلب شحنها الى عنوانه مباشرة دون الحاجة الى الخروج من منزله.
لقد كان التردد على مثل هذه المتاجر يشكل عادة يومية لمجموعة من الأشخاص لكن الامر في ظل هذه الظروف اصبح حاجة ملحة و مهمة لهم حيث عبرت مجموعة من الشركات التي تقدم خدماتها كمتاجر الكترونية عن ارتفاع نسبة أرباحها ب 80 % مقارنة مع نفس الوقت قبل تفشي الفيروس وشركات أخرى بنسب تتراوح بين 50% و 60 %
ب – الاقبال على السينما الالكترونية
شهد هذا المجال اقبالا كبيرا خصوصا مع ظهور هذه الظاهرة ومنع دور السينما من عرض منتجاتها مما حذا بمجموعة من الشركات التي تقدم خدماتها في مثل هذا الأمر الى تطوير طريقة عملها كشركة ( netflix ) و ( apple plus ) الى تخفيض اثمنة الاشتراكات لأجل جعلها في متناول الجميع و هذا ما حدث فعلا حيث سجلت هذه الشركات اقبالا منقطع النظير مما جعلها تتخذ تدابير احترازية لأجل ضمان استفادة الجميع من البث و هو خفض جودة المنتوجات المصورة لأجل تلافي الضغط الحاصل على خوادم الشركات و كذلك لعدم حصول انقطاع على مستوى البث لدى المستهلك نتيجة الضغط الحاصل على الانترنت في هذه الظرفية
ج- ظهور صالات الرياضية عن بعد
مع إغلاق العديد من الصالات الرياضية أبوابها، اتجه ممارسو الرياضة إلى الدروس عبر الإنترنت لمواصلة تمارينهم في البيت. وسجلت أسهم شركة “بيلوتون” الأميركية للتجهيزات الرياضية ارتفاعاً كبيراً، إذ يراهن المستثمرون على الطلب المتزايد على معداتها الفردية المتصلة بالإنترنيت ودروسها عبر الشبكة.
ونفس النهج صارت عليه مجموعة من الصالات الرياضية بالتعليم عن بعد عن طريق بث مباشر واقتراح مجموعة من البرامج اليومية لمساعدة كافة المنخرطين للمحافظة على الياقة البدنية طيلة هذه الفترة والتي قد تشكل حالة من الكسل و الخمول لدى العديد من الافراد, وفي هذا الصدد انتعشت هذه الخدمات المقدمة عبر الانترنت بشكل لم تشهده من قبل
د – الاجتماعات و العمل عن بعد
في ظل انتقال عدد متزايد من الأشخاص إلى العمل من منازلهم، ازداد الطلب على التكنولوجيا التي تتيح الاجتماعات عبر الإنترنت . وظهرت مجموعة من البرامج التي أظهرت كفاءة في الموضوع حيث شهد العالم مجموعة من الاجتماعات خصوصا في الاعمال التي تتطلب اجتماعات و مفاوضات مباشرة مما جعل العديد من الأشخاص يشتغلون من منازلهم وبالتالي الحفاظ على الوتيرة العادية للأعمال خصوصا الاعمال التي لم تتضرر بهذه الجائحة و المتعلقة بالاشتغال في مجال الانترنت وتطوير البرمجيات .
وختاما فإن جائحة كورونا صنّفت دوليا على أنها “قوة قاهرة”، مما جعل جل الدول تعجّل بفرض تدابير احترازية لتفادي تفشي العدوى بين أفرادها، و لا شك أنه في ظل فرض حالة الطوارئ الصحية التي عرفها العالم ستتأثر مجموعة من الالتزامات التعاقدية سواء على الصعيد الوطني أو على المستوى الدولي، و هو ما سيفتح الباب للقضاء لقول كلمته الفصل، خاصة بالنسبة للالتزامات التعاقدية التي عرفت فراغا تشريعيا يتجاوب مع هذه الجائحة.


0 تعليقات