
تفهم جريمة الاتجار بالبشر عند بعض فقهاء القانون على أنها سلسلة من الافعال الاجرامية لا على انها فعل اجرامي واحد بمفردة ، بحيث يشكل كل من تلك الافعال جريمة مستقلة ، وكل فعل من هذة الافعال يختلف عن غيره ، ففعل تجنيد الاشخاص يختلف تماما عن فعل النقل او الترحيل او الاستقبال او التسليم او غير ذلك من الافعال التي تقع على المجنى عليه [1].
اما عن الخصائص المميزة لتلك الجريمة فهي لا تخرج عن نقطتين اساسيتين تبين الاولى نوع الحق المعتدة عليه ، وتتعلق الثانية بتلك الخاصية التي تتميز بها هذه الجريمة استنادا الى بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالبشر عام 2000 كونها من الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية .
المطلب الاول : جريمة الاتجار بالبشر من جرائم الاعتداء على الحرية البدنية
الحرية في اللغة اسم من حر ، فيقال حر الرجل يحر حريه ، اذ صار حراً والحر من الرجل خلاف العبد ، وسمي بذلك لانه مخلص من الرق [2]
يراد بالحريات البدنية ، حريات الجسد التي تسمح للانسان بأن يحقق ذاته بأعتباره مخلوقاً حسدياً . ويمكن توزيعها بين خمسة مكونات : حق الانسان بالتصرف بجسده ويشمل ( الحق بأقامة علاقات عاطفيه ، حق الانجاب ، حق وهب الجسد ، حق وضع نهايه للجسد ). وحق التكامل الجسدي ويشمل( عدم الخضوع للتعذيب والمعاملات اللاأنسانية او المهينه ، عدم خضوع الانسان دون رضاه لتجارب طبيه او عمليه ، الحق بالتحرر من العبودية ، الحق بأن لا يقتل ). وحق الامن ويشمل ( عدم الاعتقال او الحبس التعسفي ) . وحق التنقل ( الذهاب والاياب والسكن ). وحق الحياة الخاصة( حق السرية ، حرمة المسكن والمراسلات ، الحق بحماية المعلومات المتعلقة بالاسم ، الحق بحياة عائليه طبيعية ) [3]
ولما كانت حقوق الانسان مترابطة ومتكاملة لان موضوعها واحد هو الانسان ذاته ،فأن حقوق الانسان في التحرر من العبودية يتناغم ويتكامل مع غيره من الحقوق لا سيما الحقوق المعنوية : كالحق في الامن الشخصي ، والحق في الخصوصية ، والحق في الحرية الشخصية ، وسوف نتعرض لهذه الحقوق ونبين صلتها بالحق في السلامة الجسدية عموما ، والحق في التحرر من العبودية على وجه الخصوص في الاتى :
اولا : الحق في الكرامة الإنسانية
تشكل جريمة الاتجار بالبشر اهداراً لكرامة الانسان وقدسيته تلك الكرامة المتأصلة في جميع اعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتاسوية الثابتة والتي هي اساس الحرية والعدل والسلام ، كحقهم في الحياة والحرية وفي الامان على شخصهم ، وحقهم في عدم التعرض للتعذيب او للعقوبات او المعاملات القاسية او الوحشية او الحاظة بالكرامة [4]
لو تظهر فكرة الكرامة الانسانية الا حديثاً ، وأول ما ظهرت في الاعان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن عام 1789، الذي جاء بعبارات واضحة وصريحة تدل على احترام كرامة الانسان وقدسيته . ثم نصت على هذه الفكرة المعاهدات والمواثيق الدولية ومقدمة اغلب دساتير دول العالم ، وعلى الانحو الذي جعل المحافظة على كرامة الانسان ضد أي نوع من انواع المهانة والعبودية مبدأ ذو قيمة دستورية عليا [5]
ثانيا : الحق في الامن الشخصي
يعد حق الانسان في أمنه الشخصي من الحقوق الاساسية اللصيقة بشخصه التي لا يجوز التنازل عنها كونها تتجسد في شعور الانسان بالاطمئنان والامان دون خوف او رهبة [6]
وتعد حرية الانسان في الذهاب والاياب من مكان لاخر بأي وسيلة كانت ، وحريته في العودة ثانية الى المكان الذي غادرت وقت ما شاء احد المرتكزات الاساسية في الحرية البدنية التي حظيت بعناية فائقة من قبل الاعلان العالمى لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
كما ان الدساتير والقوانين الاساسية قد أولت هذا الحق اهتماماً يليق بكونه من الصق الحقوق بالانسان ، وقد كلفته القوانين العقابية وقوانين الاجراءات الجانبية في شتى دول العالم .
وعليه يعد الحق في الأمن جوهر الاحساس بالسلامة الجسدية . وعندما يفتقد الاحساس بالامان كما هو حال أغلب ضحايا الاتجار بالبشر – يفتقد تلقائيا ً الجانب النفسي من الحق في السلامة الجسدية .
ثالثاً : الحق في الخصوصية
عرف الحق في الخصوصية بأنه الحق في الخلوة . وذهب جانب من الفقهاء الى تعريف هذا الحق عن طريق حصر ما يحيوه هذا الحق ، اذ قيل بأنه القدرة على ان يعيش الانسان حياته كما يريد مع اقل حد ممكن من التدخل [7]. واعتبر من قبيل الخصوصية الحياة العائلية ، وفيما يتعلق بسلامة الجسم ، والشرف والاعتبار .
وعلى وجه العموم لا يجوز وضع الانسان في ظروف بيئية او نفسيه تجعله يكشف عن اسراره او خصوصياته بما في ذلك احتجاز جواز سفره او تصريح عمله او هويته الشخصية او اي شكل من اشكال التقييد الجسدي الذي يدعم ذلك النوع من العبودية الذي يسمى بالسخرة او العمل القسري .
رابعا : الحق في الحرية الفردية
أكدت المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الحق في الحرية الفردية ، ومنع كل قيد عليها . اذ نصت الفقرة الاولى من هذه المادة على " لكل فرد الحق فى الحرية والسلامة الشخصية ولا يجوز القبض على احد او إيقافة بشكل تعسفي كما لا يجوز حرمانه من حريته الا على اساس قانوني وطلفا للاجراءات المقررة قانوناً .."[8]
وتهدف هذة المادة الى حماية حق الانسان في الحرية الشخصية ومواجهة كل ما يمنع تمتع الانسان بها عى نحو طبيعي ، بحيث يمكن القول ان نص هذه المادة قد وضع مبادئ الحد الادنى للحرية الشخصية التي لا يجب ان يحرم منها الانسان .
المطلب الثاني : جريمة الاتجار بالبشر صورة من صور الاجرام المنظم
تدخل جريمة الاتجار بالبشر لا سيماء النساء والاطفال ضمن مفهوم الجريمة المنظمة ، اذا قامت بها عصابات احترفت الاجرام وجعلت الجريمة محور ومجال نشاطها الذي تمارسه ، ومصدر دخلها. اذ تمارس الاجرام المنظم انشطتها الاجرامية كعمل ووظيفة ومهنة تهدف من ورائها الى توليد تدفقات نقدية ضخمة وسريعة الحركة تقبل التنقل عبر وسائط متعددة ومتلفة ، بعضها تقليدي والاَخر مبتدع ، وان كان في النهاية مخالف للقانون والعرف والأخلاق [9]
ويقصد بتعبير( جماعة اجرامية منظمة ) وفقاً لاتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية " جماعة ذات هيكل تنظيمي ، مؤلفة من ثلاثة اشخاص او اكثر ، موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متضافرة بهدف ارتكاب واحدة او اكثر من الجرائم الخطيرة او الافعال المجرمة وفقاً لهذه الاتفاقية ، من اجل الحصول بشكل مباشر او غير مباشر على منفعة مالية او منفعة مادية اخرى "[10]
وعموما تعد جريمة التجار بالبشر من الجرائم المنظمة اذا توفرت بها خصائص وسمات اساسية [11] يمكن تلخيصها على النحو الاَتي بيانه :
اولا : الهيكل والبناء
يعتمد بناء الجريمة المنظمة عموماً على أربعة عناصر : أولها عدد الاعضاء ، وثانيها عنصر التنظيم ، وثالثها التخطيط ، ورابعها البناء الهرمي المتدرج ، التي نتناولها تباعاً.
Ø عدد الاعضاء
اشترطت لعض التشريعات المقارنة عدداً من الاشخاص لكي توصف الجماعة الاجرامية المرتكبة لجريمة الاتجار بالبشر على انها منظمة كالقانون الاماراتي الاتحادي رقم (51) لعام 2006، والقانون المصري رقم (64) لعام 2010 بشأن مكافحة الاتجار بالبشر.
حيث اشترط المشرع ان تكون الجماعة مكونة من ثلاثة اشخاص او اكثر لكي توصف بأنها جماعة اجرامية منظمة.
Ø التنظيم
يعتبر التنظيم الصفة الرئيسية للجريمة المنظمة عبر الوطنية ، ويقصد به ترتيب وتنسيق وجمع الاعضاء داخل بنيان او هيكل شامل ومتكامل قادر على القيام بأعمالها الاجرامية . ويكفل هذا التنظيم خضوع الاعضاء الى نظام سلطوي رئاسي، بحيث يكون الاعضاء تحت قيادة زعيم أو لجنة عليا تكون مسؤولة عن اتخاذ القرارات وتوجيه الاعضاء لتحقيق اهداف الجماعة الاجرامية ،كما يتيح التنظيم لأعضاء الجماعة الاجرامية علاقة تكون قائمة على التدرج في القوة طبقا لمدى كفاءة تنظيمها .
Ø التخطيط
يعتمد اسلوب العمل داخل عصابات الجريمة المنظمة بالدرجة الاولى على التخطيط ، بحيث لا تعتمد على عمل شخص واحد كالناقل مثلا أو القائم بعملية التجنيد ، بل على عمل جماعة يقوم بتقسيم الادوار بدءاً من الاعداد حتى التنفيذ ، حيث تقوم بدراسة ماهو متوافر من امكانيات ووضع خطط دقيقة لتنفيذ جريمة الاتجار بالبشر بكفاءة .
Ø البناء الهرمي المتدرج
يعتبر الهيكل التنظيمي الهرمي من الخصائص المهمة التي تميز معظم المنظمات الاجرامية ،وهو ما يجعل من الاستحالة ضبط قادة هذه المنظمات متلبسين بأرتكاب عمليات الاتجار بالبشر المنظمة ، كما يجعل من الصعب أثبات أرتباطهم بأية انشطة اجرامية أخرى.
ثانيا : طبيعة النشاط
ترتبط طبيعة النشاط الاجرامي في الجريمة المنظمة على وجه العموم بثلاثة عناصر ، أولها عنصر الاحتراف ، وثانيا عنصر الاستمرارية ، وثالثها استخدام العنف.
[1]المستشار عادل ماجد مصدر سابق ،ص75.
[2]المنجد في اللغة العربية المعاصرة ، دار المشرق ، بيروت لبنان ،2000، ص268.
[3]د. طارق رشيد كه ردى ، مصدر سابق ، ص36 وص40 ود.عبد الحكيم ذنون الغزالي ، مصدر سابق ،ص51.
[4]د. محمد شوقي احمد ، الجوانب الدستورية لحقوق الانسان ، دار الفكر العربي ،1986،ص336.
[5].د. شريف حلمي خاطر ، الحماية الدستورية لمبدأ الكرامة الانسانية ، الناشر : دار النهضة العربية القاهرة ، 2006،ص12
[6]د. طارق صديق رشيد كه ردى ، مصدر سابق ،ص106.
[7]د. حسن سعيد سند ، مصدر سابق ، ص54.
[8]يقابل هذا النص المادة (5/2) من الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان ، والمادة (7) من الاتفاقية الامريكية لحقوق الانسان .
[9]د. عبد القادر الشيخلي ، جرائم الاتجار بالاشخاص والاعضاء البشرية وعقوبتها في الشريعة والقوانين العربية والقانون الدولي ، الطبعة الأولى ، منشورات الحلبي الحقوقية ، بيروت ، لبنان،2009، ص172.
[10]المادة (2/أ) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة عبر الوطنية اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانظمام لموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (25)، الدورة (55) المؤرخ في 15/تشرين الثاني / نوفمبر 2000.
[11]اسماء احمد الرشيد ، مصدر سابق ، ص95

0 تعليقات